تسوية مُتأرجحة:
تعهَّد الرئيس الأمريكي المُنتخب دونالد ترامب، في حملته الانتخابية بتسوية الحروب والأزمات الخارجية التي اتسمت بها فترة الرئيس المُنتهية ولايته جو بايدن، وفي مقدمتها حرب أوكرانيا المستمرة منذ نحو 30 شهراً، التي أسهمت في إحداث تحولات جيوسياسية واسعة النطاق، سواء في مستوى الشراكة بين الصين وروسيا أو حتى في استدعاء الكوريتين لمواجهة وشيكة وغير مباشرة بين الجانبين على الأراضي الأوكرانية، فضلاً عن تكبيد تلك الحرب، الولايات المتحدة أثماناً باهظة نتيجة استمرار تدفق المساعدات الاقتصادية والعسكرية لكييف بقيمة 175 مليار دولار منذ عام 2022.
دلالات مؤثرة
حملت نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وما كشفت عنه من فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، العديد من الدلالات على نحو ما يلي:
1– ترقب روسي لخُطوات ترامب القادمة بخصوص أوكرانيا: صرَّح المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، عقب إعلان نتيجة الانتخابات مباشرةً، أن ترامب قد يقوم بتغيير لهجة تصريحاته حول السلام في أوكرانيا بعد فوزه في الانتخابات. مؤكداً أن بلاده تحلل الوضع القائم بعناية، وستستخلص النتائج اعتماداً على التصريحات والخطوات على حد سواء، لا على التصريحات وحدها، وهو ما يُظهر أن روسيا مُنفتحة من حيث المبدأ على مسألة تسوية الحرب في أوكرانيا، إلا أنها ستنتظر لترى خُطوات محددة من جانب ترامب قبل إبداء أي ردود أفعال.
أكد هذا الموقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حينما تحدث لأول مرة منذ فوز ترامب بالانتخابات، في كلمة أمام مُنتدى فالداي الدولي للحوار في مُنتجع سوتشي الروسي؛ حيث أشار إلى أنه يأمل استعادة علاقات بلاده مع الولايات المتحدة، لكنه يرى الكرة الآن في ملعب واشنطن.
2– قلق أوكراني من تقليص حجم المساعدات الأمريكية: هنأ الرئيس الأوكراني "زيلينسكي" دونالد ترامب فور فوزه في الانتخابات، وأشار إلى أنهما اتفقا على مواصلة حوار وثيق وتعزيز التعاون بين كلا البلدين، مؤكداً أن القيادة الأمريكية القوية أمر حيوي للعالم وللسلام العادل، وهو ما يُخفي تخوفاً لدى زيلينسكي من احتمالية انتهاج إدارة ترامب الجديدة سياسة مغايرة في ملف الدعم عن إدارة بايدن التي لم تضع سقفاً في دعمها كييف، عملاً بمقولة الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن: "As long as it takes" أيّ مهما كلَّفها ذلك من وقت.
هذا المستوى من القلق عبر عنه زيلينسكي في اجتماع الجماعة السياسية الأوروبية في بودابست؛ حيث قال بأن ترامب يُريد نهاية سريعة للحرب، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن ذلك سيحدث، مشدداً على أن تقديم أي تنازلات لروسيا بشأن أوكرانيا سيكون غير مقبول لكييف، وانتحارياً لأوروبا.
3– مخاوف أوروبية من تأثير ترامب على حرب أوكرانيا: غداة فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية، اجتمع قادة نحو 40 دولة أوروبية في بودابست، رحب عدد منهم بعودة ترامب من جديد إلى البيت الأبيض، فيما حذر آخرون من أن تسلمه مفاتيح السُّلطة مجدداً يطرح بما لا يدعُ مجالاً للشك تحديات أمنية وسياسية تُوجِب توحيد الجبهة الأوروبية واستعدادها لأي سيناريوهات قادمة.
انتهز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تلك القمة ووجه حديثه مباشرةً إلى القادة الأوروبيين، أنه ينبغي لم ألا يُفوِّضوا للأبد أمنهم للولايات المتحدة، في إشارةٍ منه إلى احتمالية لعب الولايات المتحدة دوراً مغايراً في أوكرانيا بعد وصول ترامب، بالضغط على كل من أوكرانيا وروسيا من أجل التوصل إلى تسوية بدلاً من ضخ مزيد من المساعدات الاقتصادية والعسكرية.
4– شكوك حول تعزيز الاستقلالية الأوروبية: أثارت مواقف عديدة لترامب قلق الأوروبيين؛ حيث لوَّح في وقت سابق بفك الارتباط العسكري معهم، وبفرض رسوم جمركية باهظة على بعض المنتجات الأوروبية التي تدخل الولايات المتحدة، فضلاً عن احتمالية تخليه عن قضايا البيئة، وهو ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خُطواته نحو الاستقلالية في المجالات الاستراتيجية، إلا أن مدى جاهزية الاتحاد الأوروبي حالياً للمضي قدماً في تلك الخطوة تبدو موضع شك.
يؤكد ذلك سباستيان ماير الباحث في معهد جاك ديلور، بقوله إن السكين بات على رقبة الأوروبيين بوصول ترامب من جديد إلى البيت الأبيض، وهو ما سيدفعهم نحو التنبه. زاد على ذلك جونترام وولف الخبير في معهد بروجل للبحوث ببروكسل، بتأكيد أنه لا يرى الأوروبيين مستعدين لسيناريو كهذا بعد عودة ترامب؛ فلا يبدو أن هناك خُطة مُعدة للمسار الواجب اعتماده في تلك اللحظة، سواء على المستوى الجمعي في أوروبا أو حتى على المستوى الثنائي بين فرنسا وألمانيا.
تداعيات إشكالية
فتَح سيناريو عودة ترامب من جديد إلى البيت الأبيض، الباب أمام تداعيات عديدة على حرب أوكرانيا؛ وذلك على نحو ما يلي:
1– الحد من حجم تدفق المساعدات الأمريكية لكييف: كبَّدت حرب أوكرانيا الولايات المتحدة نحو 175 مليار دولار حتى الآن، وكان موقع "بوليتيكو" قد نقل منذ عدة أيام عن مسؤولَين اثنَين في إدارة بايدن، قولهما إن البيت الأبيض يعتزم الإسراع بإرسال آخر ما تبقى من حُزمة مساعدات أمنية لكييف تُقدر بـ6 مليارات دولار، قبيل تنصيب ترامب رسمياً في يناير من العام المقبل.
كان ترامب قد انتقد بشدة، خلال حملته الانتخابية برفقة نائبه جيه دي فانس، نهج إدارة بايدن في إرسال المساعدات الأمريكية إلى كييف طوال أكثر من عامين ونصف، حتى إنه وصف زيلينسكي بأفضل "مندوب مبيعات في العالم؛ فهو يأتي كل مرة إلى الولايات المتحدة ويغادرها ومعه 60 مليار دولار ضمن أوجه دعم مختلفة" على حد وصف ترامب. ومن ثم فإن من المرجح أن تحُدَّ إدارة ترامب الجديدة من هذا الكم الهائل من المساعدات الاقتصادية والعسكرية لكييف.
2– إدخال "إيلون ماسك" في مُعادلة الضغط على أوكرانيا: ذكرت وكالة فرانس برس أن مكالمة هاتفية مدتها نحو 25 دقيقة جمعت بين ترامب وزيلينسكي في الأيام القليلة الماضية. اللافت للنظر فيها هو مشاركة إيلون ماسك في تلك المكالمة بعدما أدى دوراً رئيسياً في فوز ترامب في الانتخابات، بإنفاق أكثر من 110 ملايين دولار من ثروته الشخصية في الحملة الانتخابية لترامب، وهو ما يتسق مع ما نشره موقع أكسيوس من أن إيلون ماسك أُدخِل بالفعل في معادلة الضغط على أوكرانيا من أجل التوصل سريعاً إلى تسوية.
وأشارت تقارير إلى أن تلك المكالمة شكر فيها زيلينسكي ماسك على تقنية ستارلينك، في إشارة إلى توفير خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية المُتاحة للقوات الأوكرانية المشارِكة في الحرب، وهو ما يمكن أن يكون السبب الحقيقي لإدخال ترامب، ماسك في تلك المعادلة؛ بإيصال رسالةٍ، على ما يبدو، إلى زيلينسكي أن ترامب عازم على وضع حد للحرب الدائرة، وأن على زيلينسكي بدء تقديم تنازلات من الآن؛ أولها قبول الجلوس على مائدة مباحثات مع بوتين.
3– محاولة التأثير على مسار التقارب بين روسيا والصين: أصبح راسخاً لدى ترامب أن إطالة أمد الحرب في أوكرانيا شجَّع على حدوث تحولات جيوسياسية كبيرة؛ من أبرزها وجود شراكة يبدو أنها بلا حدود بين الصين وروسيا، تحدث عنها سايمون تيسدال في مقالة في صحيفة الجارديان، ذكر فيها أن حرب أوكرانيا أوجدت ضالَّة روسيا والصين معاً، بحيث باتت الصين تحصل على نفط رخيص الثمن من روسيا، وتحصل روسيا في المقابل على تكنولوجيا متعددة الاستخدام تكسر حاجز العقوبات الدولية المفروضة عليها، فضلاً عن الدعم الدبلوماسي المتواصل بين البلدين.
ولعل أكثر ما يُزعج ترامب في هذه الحالة ليس استفادة روسيا، بل استفادة الصين من الباب الخلفي لتلك الشراكة؛ حيث يراها الهاجس الأكبر للولايات المتحدة. ومن ثم سيكون حذراً أكثر من أي وقت مضى في مسألة توقيع العقوبات الدولية على روسيا؛ كي لا يسمح للصين بمواصلة استفادتها من هذا الباب.
4– استمرار الجدل حول صيغة ترامب لتسوية الحرب: صرح دونالد ترامب مراراً في حملته الانتخابية، بأنه سيضع حداً للحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا في غضون 24 ساعة فقط من يوم تنصيبه وعودته الرسمية إلى البيت الأبيض، وكرَّر ذلك في عدد من المناسبات بقدرته على إبرام اتفاق بين الرئيس الروسي ونظيره الأوكراني، بغير طريق استسلام أوكرانيا كما كانت تتهمه منافسته في ذلك الوقت كامالا هاريس.
وبغض النظر عن رمزية الـ24 ساعة للدلالة على قصر المدة؛ فإن باستطاعة ترامب الدفع نحو تسوية هذه الحرب عبر تكهنات ساقها ألكسندر وارد في صحيفة وول ستريت جورنال، مفادها أن تحتفظ روسيا بالأراضي التي أحكمت سيطرتها عليها، والتي تُقدر بنحو 20% من الأراضي الأوكرانية، فيما تقطع أوكرانيا تعهداً بتأجيل طموحها للانضمام إلى حلف شمال الناتو لمدة قد تصل إلى عشرين عاماً، فضلاً عن إقامة منطقة عازلة تضمن عدم تكرار المواجهات المباشرة بين البلدين، تقع مسؤولية تلك المنطقة على عاتق قوات حفظ سلام المتعددة الجنسيات وغير التابعة للأُمم المتحدة.
5– إلغاء قرار بايدن بالسماح لعمل متعاقدين عسكريين في أوكرانيا: كشفت شبكة سي إن إن الأمريكية، أن إدارة الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن قررت السماح لمتعاقدين دفاعيين أمريكيين بالتوجه إلى أوكرانيا. يأتي ذلك في إطار مساعدة الجيش الأوكراني في صيانة وإصلاح الأسلحة التي توفرها الولايات المتحدة، خاصّةً مقاتلات (F–16) وأنظمة الدفاع الجوي باتريوت.
تأتي هذه الخُطوة كجزء من سياسة جديدة وافقت عليها إدارة بايدن بالسماح للبنتاجون بتزويد الشركات الأمريكية بعقود للعمل داخل أوكرانيا لأول مرة. ومن المُرجح أن يقوم ترامب بإلغاء هذا القرار فور تولِّيه السلطة؛ لما له من تداعيات تؤثر على مستوى الانخراط الأمريكي في الحرب التي يسعى ترامب إلى تسويتها والضغط على طرفيها من أجل وضع حد سريع لها.
إجمالاً، يبدو أن على دونالد ترامب المفاضلة سريعاً بين لوبي النفط الذي يدعو إلى تشديد العقوبات على روسيا، وبين لوبي السلاح الذي يستفيد من استمرار حرب أوكرانيا، وكلاهما لوبي أمريكي. ومن ثم، فإن من المُتصوَّر أن يعمل ترامب من الآن على التباحث مع مختلف الأطراف دون أن ينتظر لحظة تنصيبه، وهو ما كُشف عنه بالفعل باتصالاته المباشرة في الأيام القليلة الماضية بالرئيسَين الروسي والأوكراني من دون الإفصاح عما ورد في أيٍّ من الاتصالين؛ الأمر الذي يمكن توظيفه في إطار سعيه لتهيئة الأجواء أمام التوصل إلى اتفاق تسوية ستظل متأرجحة إلى أن تظهر ملامحها النهائية بعد تنصيبه.
في كل الأحوال، ما سيقوم به ترامب في تسوية حرب أوكرانيا، يمكن من خلاله استشراف ما سيقوم به في تسوية حرب لبنان وغزة، باعتماده على سياسة ممارسة الضغط على كافة الأطراف، ووضع أسقف زمنية ضيقة أمام المباحثات، وربما إعادة صياغة وطرح صفقة القرن من جديد فيما يخص القضية الفلسطينية.
جميع الحقوق محفوظة لموقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية 2023