لماذا يسعى تنظيم داعش خراسان إلى استقطاب الطاجيك؟

أكدت العملية الإرهابية الأخيرة التي نفذها تنظيم داعش خراسان داخل قاعة "كروكوس سيتي" بالقرب من موسكو، في 22 مارس (2024)، والتي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 150 من المدنيين، وإصابة المئات حتى الآن، في واحدة من أسوأ الهجمات التي تشهدها روسيا منذ سنوات؛ افتراضاً مهماً يتمثل في كون تنظيم داعش فرع أفغانستان الذي يُعرف بـ"داعش خراسان"، أحد أقوى أفرع التنظيم حالياً؛ وذلك في ضوء جملة من الاعتبارات، على رأسها القوة التنظيمية التي يتمتع بها، ودقة العمليات الإرهابية التي يقوم بها وتكلفتها الباهظة، جنباً إلى جنب مع التطلعات الكبيرة للتنظيم، خصوصاً على مستوى تعزيز نفوذه وتوسيع رقعة عملياته.

وفي هذا السياق، كان لافتاً ما ذكرته وكالة "رويترز" منذ أيام عن اكتشاف جوازات سفر طاجيكية مع المسلحين الذين اعتقلتهم السلطات الروسية على خلفية الهجوم الإرهابي الأخير. وقالت مصادر لرويترز إن التنظيم استخدم هجماته الكبيرة أداةً لاستقطاب الطاجيك والأوزبك في أنحاء آسيا الوسطى، وليس الأغلبية البشتونية في أفغانستان التي تشكل العمود الفقري لطالبان، كما أشارت تقارير، في 26 مارس 2024، إلى أن موسكو أرسلت محققين إلى طاجيكستان لاستجواب أُسَر أربعة متهمين بتنفيذ هجوم موسكو؛ الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة خاصة بطبيعة الأسباب التي تدفع الطاجيك إلى الانضمام لداعش خراسان، جنباً إلى جنب مع تساؤلات مرتبطة بتداعيات الجنوح المتزايد لداعش نحو تجنيد الطاجيك، سواء على القوة العملياتية والتنظيمية لداعش، أو على مستوى هجماته المقبلة وأهدافه المستقبلية.

أسباب متعددة

ثمة العديد من الأبعاد والأسباب التي يُمكن في ضوئها فهم التوجه المتنامي لداعش خراسان نحو تجنيد الطاجيك، وكذا لفهم أسباب انضمام هذه الفئة إلى التنظيم. ويمكن إلقاء الضوء على أبرز هذه الأبعاد كما يلي:

1– كثافة الأدوات الدعائية الداعشية الموجهة للطاجيك: ركز تنظيم ولاية خراسان في حملاته الدعائية التي استهدفت تجنيد المقاتلين وإحياء الدماء الخاصة بالتنظيم، على استهداف مجموعة من الفئات، سواء الفئات المناهضة لحركة طالبان، أو المنشقين عن الجيش الأفغاني، أو بقايا بعض الحركات المتطرقة والإرهابية، مع التركيز بشكل لافت على المواطنين الطاجيك. وقد اعتمد التنظيم في إطار هذه المقاربة على جملة من الآليات الدعائية، ومنها إصدار كتب مطولة باللغة الطاجيكية، كما بدأ التنظيم منذ سبتمبر 2021 يصدر النسخة الطاجيكية من "راديو خراسان"، فضلاً عن عشرات المقاطع الصوتية باللغة الطاجيكية، وهي الجهود الدعائية التي ركزت على نشر مجموعة من الرسائل الشرعية والدينية والعقدية التي تدعو المواطنين الطاجيك إلى الانضمام لداعش وتنفيذ هجمات إرهابية.

2– تنامي معدلات التطرف في طاجيكستان: تمثل طاجيكستان على وجه الخصوص، بيئة خصبة للنشاط الإرهابي وانتشار الأفكار المتطرفة لدى مواطنيها، وهو الأمر الذي يتجسد في جملة من المؤشرات، أولها ما ذكره مركز أبحاث الاستخبارات الفرنسية ومركز مراقبة مجتمعات آسيا الوسطى (كوساك)، من أن طاجيكستان تواجه منذ أكثر من عقد مشكلة مع تطرف شريحة معينة من سكانها، سواء في داخل البلاد أو في الخارج، وثانيها أن فترة ذروة نشاط تنظيم داعش وإعلان خلافته المزعومة في سوريا والعراق شهدت تنامياً في معدلات انضمام المواطنين الطاجيك إلى التنظيم، حتى إنه في عام 2017 قدر مركز الأبحاث التابع لمجموعة الأزمات الدولية أنه ما بين ألفين إلى 4 آلاف مواطن من طاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان قد انضموا إلى صفوف التنظيم في العراق وسوريا؛ جلهم مجموعة من المقاتلين، ولكن بعضهم كان من مسؤولي الصفوف الأولى، وثالثها أن "العائدين" من العراق وسوريا كانوا من مقاتلي النخبة في داعش، وهم يلعبون دوراً محورياً في تجنيد عناصر جديدة تابعة لولاية خراسان.

3– إعادة هيكلة داعش لولاياته في آسيا: بدأ تنظيم داعش في المرحلة التي أعقبت مقتل أبي الحسن الهاشمي القرشي في أكتوبر 2022، يتبنى استراتيجية جديدة تقوم بشكل رئيسي على إعادة هيكلة بعض المجموعات والولايات التابعة له، وهو ما تجسد في تشكيل مستوى إداري كبير للتنظيم سُمِّي بهيكل المكاتب الإدارية. وفي هذا السياق، أكدت تقارير وتقديرات أنه تم دمج فرع القوقاز مع فرع خراسان تحت إشراف مكتب واحد. ومع هذه الهيكلة الجديدة، يبدو أن قائد الهيكل الجديد "شهاب المهاجر" الذي يُعرف أيضاً باسم ثناء الله الغفاري، يُركز على إعادة بناء الهيكل التنظيمي للولاية الجديدة، على أن يستند ذلك، في أحد أبعاده، إلى التركيز على الفئات "القابلة للتجنيد"، وفي القلب منها المواطنون الطاجيك.

4– تأثير الأصول الطاجيكية لبعض قيادات داعش: يشكل العامل القيادي دوراً مهماً في استقطاب عناصر من طاجيكستان إلى تنظيم داعش؛ فبخلاف العناصر الطاجيكية التي كانت ضمن التنظيم المركزي في العراق وسوريا، فإن "شهاب المهاجر" قائد تنظيم داعش خراسان، يعد من المواطنين الأفغان ذوي الأصول الطاجيكية؛ الأمر الذي يمكن في ضوئه تفسير تركيزه على تجنيد المقاتلين الطاجيك.

5– توظيف الأوضاع الاقتصادية للمواطنين الطاجيك: تذهب بعض التقديرات الغربية إلى أن "شهاب المهاجر" و"عصمت الله خالوزاي" الذي يُعرف بأنه الميسر المالي لتنظيم ولاية خراسان، يركزان بشكل كبير حالياً على بناء شبكة إقليمية من الخلايا المقاتلة التي قد تساعد في تنفيذ هجمات دولية، مع التركيز في حملات الاستقطاب على الفئات ذات الأوضاع الاقتصادية الهشة، التي يُقدم التنظيم لها إغراءات مالية كبيرة، حتى إن بعض وسائل الإعلام الروسية تحدثت عن أن أحد المشاركين الطاجيك في الهجمات الأخيرة، عُرض عليه نصف مليون روبل (ما يزيد قليلاً عن 5000 دولار) للمشاركة في الهجوم الأخير.

6– وجود الكثير من المنحدرين من أصول طاجيكية في أفغانستان: تذهب بعض التقديرات إلى أن تعداد مقاتلي داعش خراسان يتراوح بين 2000 مقاتل و 6000 مقاتل، مع الإشارة إلى أن غالبية هؤلاء المقاتلين هم من الطاجيك. وفي هذا الصدد، شكَّل وجود الكثير من المنحدرين من أصول طاجيكية داخل أفغانستان فرصة لداعش لتعزيز حضوره بين المواطنين الطاجيك. ويبدو أنه مع استقطاب حركة طالبان للأغلبية البشتونية في البلاد، التي تشكل عمودها الفقري لها، بدأت ولاية خراسان تركز على استقطاب بعض الفئات الإثنية الأخرى من الطاجيك والأوزبك والقرغيزيين، مستغلةً في ذلك بعض الاعتبارات الرئيسية؛ أولها حالة الغضب لدى قطاعات إثنية عديدة تجاه حركة طالبان، وثانيها انتقاد دول الجوار الإقليمي، وثالثها حالة الجهل الديني المنتشرة لدى هذه الفئات، التي تمثل مدخلاً مهماً لتمرير أفكار التنظيم.

7– استفادة داعش من التوترات بين طالبان والطاجيك: من الواضح أن تنظيم داعش يستفيد من التوترات التي وقعت بين تنظيم طالبان وعناصر الطاجيك عقب استيلاء الحركة على السلطة، الذي جاء أيضاً بعد الاتفاق الذي جرى بين واشنطن والحركة. وفي هذا الصدد، أشارت تقارير إلى أن التوتر بين قيادة طالبان وعناصر الحركة الطاجيكية في الشمال الشرقي لأفغانستان كان يتزايد بسرعة في أواخر عام 2023 وأوائل عام 2024، حتى إن البعض أفاد بوجود حالات لأعضاء طاجيك في حركة طالبان تم احتجازهم بتهمة وجود صلات مع تنظيم داعش خراسان. ومن ثم فإن حالة السخط المتنامية داخل العناصر الطاجيكية يمكن أن توفر بعض الفرص لتنظيم داعش.

8– التأثير العكسي لسياسات السلطة في طاجيكستان: لقد ركز جزء من دعاية تنظيم داعش خلال السنوات الماضية على انتقاد سياسات النظام الحاكم في طاجيكستان، وتوظيفها من أجل خلق نوع من الحشد المضاد للسلطة ومن ثم استقطاب المزيد من العناصر للتنظيم. وساعد على ذلك تبني الحكومة الطاجيكية سياسات من قبيل فرض حلق اللحى على الرجال، وكذلك إصدار بعض الضوابط بشأن الزي النسائي، تحث "النساء والفتيات على عدم ارتداء اللون الأسود، والملابس ذات الطبيعة الإسلامية مثل الحجاب".

تداعيات محتملة

تُنذر المؤشرات الراهنة الخاصة بتنامي وتيرة استقطاب ولاية خراسان للمواطنين الطاجيك، بالعديد من التداعيات، سواء على مستوى الثقل التنظيمي لولاية خراسان، أو على مستوى احتمالية اتساع نطاق هجمات التنظيم في الفترات المقبلة؛ وذلك على النحو التالي:

1– تنامي الثقل التنظيمي لداعش خراسان: يحمل تنامي معدلات انضمام المواطنين الطاجيك إلى داعش خراسان، تداعيات خطيرة على مستوى الثقل التنظيمي لداعش؛ إذ إن هذه القواعد الطاجيكية توفر من جانب قاعدة اجتماعية قوية للتنظيم في عدد من دول جنوب ووسط آسيا، ومن جانب آخر توفر له المزيد من المقاتلين من ذوي الخبرة ممن لديهم القدرة على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية.

2– انتشار الفكر المتطرف والإرهابي في جنوب ووسط آسيا: يدفع تنامي وتيرة انضمام المواطنين الطاجيك إلى داعش خراسان باتجاه تحفيز تنظيم داعش على ممارسة المزيد من الأنشطة الدعائية المكثفة؛ من أجل استقطاب عناصر جديدة، أو على أقل تقدير بناء قواعد اجتماعية متماهية ومتضامنة مع خطابه المتطرف، وهو الأمر الذي قد يتجسد في إعادة تنشيط الأدوات الإعلامية باللغة الطاجيكية بشكل كبير، بما يدفع باتجاه تنامي معدلات انتشار الخطاب والأفكار المتطرفة في منطقة جنوب ووسط آسيا.

3– احتمالية إنشاء فروع جديدة لتنظيم داعش: لا تقتصر تداعيات انضمام المواطنين الطاجيك إلى داعش خراسان وانسياقهم وراء سرديات التنظيم ودعايته، على مجرد ثقل الوضع التنظيمي لداعش خراسان، بل تمتد لتشمل تداعيات أخرى أكثر خطورةً، على غرار تحفيز التنظيم على إنشاء أفرع جديدة في بعض دول الجوار ذات الأغلبية الطاجيكية.

4– تزايد إمكانية تنفيذ هجمات إرهابية مؤثرة: لا يمكن إغفال أن مواصلة قدرة تنظيم داعش على استقطاب عناصر طاجيكية، سيعطي التنظيم فرصاً أكبر لتنفيذ هجمات إرهابية ضخمة ومؤثرة؛ وذلك على غرار هجوم موسكو الأخير. وربما يندفع التنظيم أيضاً نحو تنفيذ هجمات كبرى في الدول الغربية؛ بحيث تنفذ بعض الذئاب المنفردة الطاجيكية عمليات إرهابية في بعض الدول. وقد أكدت السلطات الألمانية هذا الافتراض بإعلانها، في 7 يوليو الماضي، عن شن حملة اعتقالات استهدفت 7 أفراد من الطاجيك ينتمون إلى "داعش خراسان".

5– تزايد الضغوط على النظام الحاكم في طاجيكستان: من المرجح أن يؤدي تزايد حضور الطاجيك في صفوف تنظيم داعش إلى تزايد الضغوط على النظام الحاكم في طاجيكستان، وخاصةً من جانب دول الجوار، أو حتى من جانب الدول الغربية. ويرجح في هذا الإطار أن تعمل روسيا، عقب هجوم موسكو الأخير، على الضغط على دوشنبه من أجل تشديد إجراءات تقويض الأنشطة الإرهابية وتجفيف منابع التطرف.

6– تنامي فرص الانفتاح الدولي على حركة طالبان الأفغانية: يرجح أن يؤدي تزايد انضمام الطاجيك إلى تنظيم داعش خراسان، وما يفضي إليه من تعزيز نفوذ التنظيم، إلى تزايد الانفتاح الدولي على حركة طالبان، وكذلك تصاعد التنسيق بين الحركة ودول آسيا الوسطى؛ وذلك بهدف دعم حركة طالبان وقدرتها على مواجهة أنشطة داعش.

وختاماً، يمكن القول إن تنامي وتيرة انضمام المواطنين الطاجيك إلى تنظيم داعش خراسان هو مؤشر خطير يُنذر بالعديد من التداعيات السلبية، سواء على مستوى ثقل القدرات التنظيمية لداعش خراسان، أو على مستوى تنامي وتيرة التهديدات الإرهابية في المنطقة الآسيوية، فضلاً عن تهديدات أخرى مرتبطة باحتمالية توسع أنشطة التنظيم على المستوى الدولي عبر المجموعات الصغيرة والذئاب المنفردة.


الإصدارات

الإصدارات

الأكثر مشاهدة